عندما نمعن النظر في التاريخ نلحظ أنّ معظم المبدعين والمبدعات قد ظهروا وبرزوا في أصعب أيامه وأكثر لياليه حلكة، لم تثنهم الظروف عن أهدافهم ولم تمنعهم الأزمات من المضي في درب طموحاتهم، فصنعوا من الألم أملاً وحولوا الظلام الدامس نوراً ونبراساً أعاد للبشرية اتّزانها بعد أن ضلّت وانحرفت. فهذه الجزيرة العربية انحدرت في جاهليتها ليصل العربي إلى مستوىً عَبَد ما صنع من تماثيل تمرٍ وخشبٍ وحجر، وامتهن المرأة التي هي أمّه وأخته، ووصل به الأمر إلى أن يئد ابنته كي لا يعيره قومه بها، ناهيك عن القتل والظلم في سبيل المال والسلطة. فجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليعيد بناء العقد الاجتماعي والإنساني على أساس العدل والمساواة وليختاره الكاتب الأمريكي مايكل هارت عنواناً لكتابه “العظماء مائة وأعظمهم محمد”.
وحتى لا نبحر في التاريخ بعيداً، سأقف عند الثورة العلمية التي حدثت في النصف الأول من القرن العشرين، فبينما كانت الجيوش الغربية تفني بعضها في الحربين العالميتين الأولى والثانية مخلفة أكثر من 66 مليون قتيل، كان أهل العلم منكبّون على أبحاثهم وكتبهم ليحدثوا نقلة نوعية في كافة العلوم، قدموا من خلالها نظريات وعلوما جديدة نقلت البشرية قفزات نوعية على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصناعية…. ففي صورة واحدة جمعت أينشتاين “أب الفيزياء الحديثة” مع زملائه العلماء وجدنا غالبيتهم قد فاز بجائزة نوبل لعظيم الأثر الذي تركوه لنا. وها نحن اليوم نعيش نعيم نتاج عقولهم في القرن الواحد والعشرين مع هذا الكم من التكنولوجيا والتطور المادي.
أمّا في الألفية الثالثة التي نواكب تفاصيلها اليوم، فقد أبدع النّظام العالمي الذي تقوده أمريكا في نشر الظلم والقتل والتمييز على امتداد العالم باسم الإنسانية وحقوق الإنسان، داعمين الكيان الغاصب في إجرامه وعنصريته على ثرى فلسطين، مستفيدين من جيوشهم الإعلامية والمالية ناهيك عن العسكرية، ولأنّ الإبداع وأهله لا يعرفون الخضوع ولا الاستسلام للظروف، فقد أمتعنا أهل غزّة العزّة بطوفانهم الذي جرف زيف هذا العالم االمدّعي للقيم والأخلاق بعد إعداد طويل تحت الأرض وفوقها، فكسروا هيبة الجيش الذي لا يقهر بالرغم من اجتماع جيوش الأرض عليهم في بقعة جغرافية صغيرة، وفي معركة غير متكافئة سيكتب عنها التاريخ والكليات العسكرية الكثير في قابل الأيام..
لقد قدمت غزّة وأهلها دروساً عمليةً لنا جميعاً في صناعة التغيير والإبداع متجاوزين حدود ما تستوعبه عقولنا القاصرة، فمتى آمن الإنسان بفكرته النبيلة وعاش وعمل لها، سيصل إلى أهدافه وطموحاته مهما طال الطريق وحفّته الصعوبات والمعوقات. أتمنّى أن نرى في عالمنا العربي نقلة نوعية في شباب أمتنا تخرجنا من هذا النفق الذي طال ليله.
Dr. Ahmad Faraj


Nice post.I subscribed. Have a nice day🍀☘️💝
LikeLike